
تأملات قرآنية - حلمي العلق
By Helmi Alelg


القرآن وأهل الكتاب - 10
هذه الحلقة هي خلاصة وخاتمة لتلك الدروس التي تناولت ذلك الموضوع، نتناول فيها وباختصار أربع آيات تحت أربع عنواين تمت دراستها سابقًا وفي محاولة للربط بينها لاستخلاص تلك النتيجة. العنوان الأول هو التصديق، والثاني الشهادة والنصرة ، والثالث إقامة التوراة والإنجيل، وأخيرًا نعود لما بدأنا الحديث عنه في الحلقة الأولى تحت عنوان " لا تكونوا أول كافر به"، لنفهمه مرة أخرى بصورة أشمل. ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ المائدة [48]﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾ آل عمران (81).﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ المائدة ( 68) ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ البقرة (40)-(41)

تعاليم القرآن - 10 - الإلحاد في الآيات
يبيّن القرآن الكريم وفي سورة فصلت وجود معاني باطلة دست بالخفاء في أذهان المستقبلين للكتاب لتكون حاضرة في الذهن أثناء قراءة الآية، تفهم بها ويطغى ذلك المعنى على المعنى الأصيل لها، فيقرأ القارئ مستحضرًا معاني ليست موجودة فيها في الأصل. المتأمل في سورة فصلت التي أشارت لهذه المشكلة يمكنه أن يدرك وجود فئة كانت تدس تلك المعاني منذ زمن التنزيل، ونعلم أن بعض المفاهيم عابرة للزمان والمكان، وقد يكون لها تأثير في تشكيل عقلية المؤمن المتسمك بكتابه وهو لا يشعر. الأمر الذي يُحملنا مسؤولية أن نتحقق من تطابق ما نستقبله من معاني مع ألفاظ الآيات وغايات القرآن.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فصلت (40)
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ فصلت (41)-(42).
﴿ مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ فصلت (43)-(44)
﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴾ فصلت (45)

تعليم القرآن - 9 - جعلو القرآن عضين
فرض القرآن الكريم همينته في فترة التنزيل، فلم يكن أمام بعض الطوائف بُدًا إلا والإيمان به، كونه يمتلك قوة التأثير والهيمنة الربانية التي تشعر السامع بحديث الله، وعلى هذا الأساس آمن به الكثير، منهم من صدق ومنهم من كذب، ولقد اتخذه بعض أهل الكتاب من الذين لم تتطهر قلوبهم نقطة انطلاق لترويج العقائد الباطلة بالتعامل معه بطرق ملتوية، وبما أن قلوب الناس تهوي لهذا القرآن وتهفوا إليه، ولعدم قدرتهم من أن يغيروه ويبدلوا آياته، كان لابد من اتخاذه وسيلة مؤثرة لإيصال الأفكار التي يريدون لها أن تسيطر وتنتشر بين الناس. ندرس في هذه الحلقة مشكلة التبعيض في الأخذ بالكتاب، ثم ننتقل للحديث عن "المقتسمين" الذين كشفت عنهم سورة الحجر والذين قطّعوا آيات القرآن حسب أهوائهم، لنتعرف من خلالها على تعامل بعضٍ ممن آمن في زمن الرسالة مع القرآن الكريم بصورة خاطئة وبشكل متعمد لتحريف حقائقه، نستعرض هذه الآية استبيانًا للطرق المرفوضة التي يجب أن لا نتعامل مع القرآن بها.
﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ َتَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ البقرة (85).﴿ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ الحجر (89)-(93)

تعاليم القرآن - 8 - فتنة التأويل
آية (7) من سورة آل عمران تتعرض لمشكلة التأويل النابعة من سيطرة الأهواء، الآية المباركة لم تعرض المشكلة وحسب، بل وطرحت الحل جليًا بما يُعطي مسارًا بيّنًا واضحًا في كيفية فهم القرآن بعضه ببعض، وذلك بعدم إخراج مواضيعه التي يتحدث فيها عن مسارها الذي أراده الله لها، والآية الكريمة لا تعرض المشكلة على أساس كونها مشكلة فكرية بحتة، بل تذهب إلى أصلها المتجذر في القلوب وهو الميل إلى شيء آخر هو خارج الكتاب، الآية تسمي ذلك الميل زيغ، ذلك الزيغ هو الذي يدفعهم لتجاوز ما تسميه الآية بالآيات المحكمات وعدم الأخذ بها، واللجوء للمتشابهات رغبة في إثبات ما لا ثبات له، وإبقاء ما لا دليل عليه، وهو بمعنى آخر محاولة لشرعنة ذلك المألوف من الموروث وجعل القرآن يتحدث بما تهواه النفوس. الآية المباركة تحاصر أحد أساليب الإعوجاج في التعامل مع الذكر الحكيم، وتشير إلى العلاج ببيان أنه إذا كنتم قد اعتمدتم على أن الكتاب المنزل هو المرجعية العليا، يبقى أن تعتمدوا عليه لكي يكون مصدرًا للتأويل ومصدرًا لإحكام ما اشتبه عليكم فهمه.﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ آل عمران (7)
﴿ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ آلعمران (8)-(9)

تعاليم القرآن - 7 - يحرفون الكلم عن مواضعه
واحدة من أكبر أسباب انحراف أهل الكتاب في زمن الرسالة هو مرض القلب وعدم تطهره بالكامل من أدران الماضي المخالف لما أنزل الله، الأمر الذي يؤدي إلى استسلام جزئي لكتاب الله، والله عز وجل يريد من المؤمن استسلامًا كليًا لكتبه وآياته، هذه الأمراض تعيق التعامل السليم مع كتاب الله، وتلجئ صاحبها لطرق ملتوية لفهم ما لا يتحدث به الكتاب، و إحراف الكلمات عن مضمونها الحقيقي وإخراجها عن السياق التي وردت فيه، وهذا بدوره يؤكد ضرورة أن يبدأ المؤمن في دراسة الكتاب بتطهير قلبه ليبدي استسلامًا كاملًا وتامًا لكلمات الله.
العبارة القرآنية المباركة "يحرفون الكلم عن مواضعه" تفضح الفعل المخالف للتعامل مع كلام الله عز وجل، وهي في ذات الوقت تبيّن التراتبية المنطقية لفهمه، فالفهم يبدأ من إدراك الموضوع، وهذا الترتيب له أهمية لأنه يوقف التشتت، ويلغي تعدد الآراء ، فإذا فهمنا الموضوع الذي تتحدث فيه مجموعة من الآيات فقد فهمنا موضع كل كلمة من كلمات القرآن التي وردت في ذلك النص المقدس والتي نتساءل عن معناها، وتمكنا من وضع الإطار الصحيح لاتجاه الكلام، بعد ذلك يمكن الذهاب إلى التفاصيل أيًا كانت تلك التفاصيل. ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ النساء (44)-(46)﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ المائدة (13)﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ المائدة (41)

تعاليم القرآن - 6 - كونوا ربانيين
كان الأنبياء يأمرون أتباعهم بأخذ المعارف الحقة من الكتاب السماوي، وقد أمرنا القرآن الكريم أمرًا صريحًا بوجوب السعي نحودراسة كتاب الله دراسة مستفيضة تفي باستيعاب مقاصد الرسالة المنزلة، دراسة توجه الناس نحو المفاهيم الدينية الأصيلة، لتحتل المرتبة العليا في وجدانهم ، ومن أجل تغذية العقول والأورواح بما تحتاجه من مدد معرفي رباني صاف، لأن ذلك المدد كفيلبأن يصحح مسيرتهم وعلاقتهم مع الله، ويرمي بظلاله في حياتهم الإيمانية والدنيوية، وليترك أثره الواضح عليهم في سلوكياتهم العملية.
الحلقة تتناول الآيات التالية :
﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ آل عمران (79)
﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾ الزمر (47)
﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ التوبة (94)
﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴾ لقمان (25)

أهذا الذي بعث الله رسولا؟
يقسم الله النعم بين خلقه بالتفاضل لا بالتساوي، فضل الله بعض الأكل على بعض، وفضل بعض الأماكن على غيرها، وفضل بعض الأيام على سائر أيام السنة، ومن ذلك التفضيل أن فضل بعض الخلق على البعض الآخر، في القرب والمنزلة منه أو في الوظيفة التي أولاها الله إياه، كوظيفة الرسالة والإمامة.

تعاليم القرآن - 5- - أم لكم سلطان مبين
وجدنا في الدرس السابق وفي الحديث عن حقائقتتعلق بأوامر الله عز وجل كالقبلة أو حقيقة الصفا والمروة أو ما يأمر به الله في موضوع الطعام، في كل تلك المواضيع كان الحكم الفصل هو الكتاب المنزل لا سواه، فهو الحجة البالغة، ولقد اتضح لنا كيف يسقط الادعاء بوجود أمر في الدين فقط لمجرد عدم تواجده في الكتاب المنزل؟ والسؤال الذي نطرحه في هذا الدرس هو : حين ننوي أن ندرس أوامر الله، هل يوجد كتابٌ آخر غير الكتاب المنزل يحوي تلك الأوامر؟ هل يمكن لأيمصدر آخر أن يضيف أو أن يلغي أي أمر من أوامر الله النازلة في كتابه؟ أو بصيغة أخرى: هل يسمح القرآن الكريم أن نجعل من أي كتاب آخر مصدرًا لأوامر الله؟
الإجابة على هذا السؤال بصورة موجزة يمكن أن نجدها تحت طيات التساؤل القرآني : ﴿ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ﴾ والسلطان المبين هو الوصف الذي وصف الله به كتابه المنزل، فهذا الكتاب هو المصدر الذي يمتلك سلطة حقة على الناس لأنه صادر من عند الرب الأعلى، لذا كان لزامًا أن ينفذ، ولا يملك غير هذا الكتاب هذه الخاصية وهذه الميزة، ولهذه الإجابة الموجزة تفصيل في آيات القرآن، حيث يمكننا ومن خلال الآيات الكريمة أن نتسشعر المكانة المفترضة للقرآن وللكتب السماوية في هذا الشأن.

تعاليم القرآن - 4 - الحجة البالغة
فهمنا سابقًا أن تعلم القرآن مسؤولية فردية وجماعية، وعلمنا أيضًا أن الموضوع الأهم الذي يوجهنا القرآن لدراسته هو ما يمكن أن نسميه أوامر الله المنزلة في كتبه، فهل هذه العلوم بينة واضحة يتناولها العوام؟ أم أنها غامضة مبهمة على العوام ولا يمكن لهم نيلها والاقتراب منها؟ هل يتعذر على من يريد أن يأخذ بأوامر الله في كتبه الوصول إلى مرادها وحقيقتها من آياته الكريمة؟ أم أنه أمر متاح لمن درس وتتبع الآيات وتدبر فيها؟ الإجابة على هذا السؤال سبقت في المقدمة السابقة، ويمكن تلخيصها في عبارة واحدة وهي أن كتب الله المنزلة حجة الله البالغة، فلا يمكن لها أن تحمل هذه الصفة إلا إذا بلغ مطلبها لمن أخذ بها ودرسها وتدبر فيها، وقد وجدنا وفي آيات كثيرة أن المستمع لآيات الله مكلف بما سمع، ولكن للاستزادة نقف عند أربع شواهد من القرآن الكريم، على الرغم من كثرة الشواهد في هذا الموضوع.
﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ الأنعام (149)-(150)
﴿ وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ النساء (164)-(165)
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ البقرة (159)-(160)
﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴾ الأعراف (3)-(4)

تعاليم القرآن - 3 - لو كنا نسمع أو نعقل
لقد علمنا أن الله سبحانه وتعالى يأمرنا باتباع ما أنزل ، وأنه سيحاسب الإنسان على عدم تنفيذه لأمر الله، وأنه من الواجب قراءة القرآن الكريم قراءة واعية من أجل التطبيق، والسؤال الذي نبحث الآن له عن إجابة هو : ما الحد الأدنى المتطلب في التعامل مع القرآن ؟ وما هو المستوى الذي لا يقبل الله من المؤمن أن يتراجع عنه في هذه العلاقة؟ وإذا كان الواجب على المؤمن أن يستمع بوعي، فهل عليه أن يمضي في تطبيق ما وعى وفهم؟ وهل يتطلب ذلك منه إمكانات لا تتوافر لديه؟

تعاليم القرآن - 2 - أمر الله
لقد وقفنا في الحلقة السابقة عند المسؤولية الجماعية والفردية تجاه القرآن الكريم، وقد تبين أن لاحجة لأحد عن التنصل من تلك المسؤولية، في هذا الدرس نحاول أن نحدد الاتجاه الذي يحقق الاستجابة، ونطرح السؤال المحوري : ما هو أهم موضوع يناقشه القرآن الكريم؟ أو بصيغة أخرى : ما هو العلم القرآني الذي إن تركناه كانت عاقبة أمرنا خسرا؟ أو ماهو العلم الذي يرتبط القيام به بالنجاة من عذاب الآخرة؟
سنجد أن أهم موضوع هو ما يسميه القرآن الكريم "أمر الله" ، هو الرسالة التي يجب أن لا ننصرف عنها بالانشغال بمواضيع فرعية بالنسبة لهذا الأمر الأساس، هو الأمر الذي على أساسه سيحاسب الإنسان إن هو أهمله وتركه، تمامًا كما حاسب أهل الكتاب الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها.
لقد أُنزلت رسالة القرآن الكريم حاملة أوامر أساسية بصيغة متعالية، ولاشك أن تلك الصيغة لا تخلو من علوم شتى، ولكن لا يجدر بنا كمؤمنين بهذه الرسالة أن نلتفت للزيت الذي يوقد النار دون أن نستضيء به في ظلمات الطريق، أو أن ننشغل بتمجيده دون أن نصنع به المجد! فننشغل بوصف جمال البيت من خارجه دون أن ندخله ونعيش فيه، فنقضي أعمارنا في الحديث عن علوم القرآن الشتى دون أن نلتفت لمهمته العظمى أو نعي رسالته الكبرى التي تتفتح بها أبواب الجنان. للقرآن أوامر يجب النظر إليها والعمل بها، ويجدر بحملته أن يتعرفوا عليها ويتعلموها كي يحققوا مراد الله منهم قبل كل شيء.
نحاول أن ندرس هذه الحقيقة من خلال المقطع الأخير من سورة الطلاق، ثم نعاود النظر في الآيات الأول من السورة لفهم ذلك الأمر بصورة جلية.

تعاليم القرآن - 1 - بلى قد جاءتك آياتي
قد نتصور أن مسألة دراسة القرآن وتدبره مسألة مستحبة، يثاب من قام بها، ولا يعاقب من تخلف عنها، لكننا في الحقيقة حين نقترب من آيات الله التي تتحدث في هذا الموضوع بالتحديد، نجد ارتباط النجاة الأخروي بالإلتزام بما أنزل الله، تلك الآيات لا شك أنها تدعو لتفعيل المعرفة القرآنية وتصحيح الأفكار و الأفعال بناءًا على تعاليم القرآن وتوجيهاته وإلا فإن الإنسان سيواجه مصيرًا سيئًا يوم القيامة، الأمر الذي يجعل من دراسته متطلبًا أساسيًا.
في هذه السلسلة من الدروس وهي تحت عنوان ( تعاليم القرآن الكريم ) ننظر فيها كيف يوجهنا القرآن نحو دراسة تلك التعاليم الأساسية، و الرسالة الكبرى والتي هي الأولى بالتعلم والتطبيق، وعلى الرغم من أن هذا الكتاب باطنه عميقٌ لا يصل إلى كنهه إلا الخواص، إلا أنه بليغُ في حجته للعوام أيضًا، وما قامت تلك الحجة إلا لأن تلك الأوامر بيّنة واضحة قائمة على الجميع، وحتى يكون القرآن حجة لنا لا علينا كان لابد أن تتحول دراسة القرآن وتدبره إلى سلوك دائم لا ينقطع، إن الأوامر التي يعتني القرآن بأن يتوجه لها الجميع لا يمكن أن تكون للخواص، لأنها حجة الله على الخلق، وفي هذا المستوى يمكن أن يقال عن القرآن الكريم أنه بين واضح وحجته بالغة. في هذه السلسلة نحاول أن نجيب على هذا السؤال وكذلك الأسئلة المتعلقة به مثل: ماهو أهم علم يجب أن يتعلمه المؤمن؟ وماهي علاقة القرآن ببقية الكتب؟ وما هو المستوى الذي يجب أن يكون عليه الفرد المؤمن؟
في الدرس الأول وهو تحت عنوان " بلى قد جاءتك آياتي" نتحدث عن الأهمية التي يوليها القرآن لدراسة الكتب السماوية لفهم تعاليم السماء واستيعابها على سبيل نجاة، وحتى لا يبقى المؤمن بهذا الكتاب في صف الهمج الرعاع الذين ينعقون وراء كل ناعق، ولأن هذا العلم هو وسيلة النجاة فإننا سنرى ارتباطه بمصير الآخرة الذي هو المآل النهائي والفوز الأكبر الذي لا يعلو عليه فوز آخر.
ستكون هذه الدراسة في ثلاث مقاطع من الآيات المباركة، الأول من سورة الأنعام في الآيات من (155) إلى (157)، وهي الآيات التي تلت ذكر الوصايا العشر في هذه السورة المباركة، ثم ننتقل للحديث عن نفس المضمون في آيات أخر في سورة الزمر المباركة من آية (55) إلى (59)، ثم نختم بآية (47) من سورة الشورى وهي الآية الكريمة التي ابتدأت بقوله تعالى " استجيبوا لربكم ".

اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم - 8 - جعلا له شركاء
تكمن مسؤولية حمل القرآن الكريم في مرحلتين أساسيتين، حسن استلامه، وحسن تسليمه، أما حسن استلامه فيعني تعلمه، وأما حسن تسليمه فيعني تعليمه، ومن هنا تنطلق الخيرية " خيركم من تعلم القرآن وعلمه "، ولا يعفى عن هذه المسؤولية أحد، كل حسب مستواه وقدرته، ولا يخفى الأثر الكبير الذي يمكن أن يتركه الأبوان حين يمسكون أبناءهم بكلام الله، ولكي يؤخذ كلام الله على مستوى الأمر الرباني لابد وأن يوازي ذلك التمسيك توجيه بوجوب الإخلاص في التوجه لله، ذلك بأن الالتزام بأمر الله النازل، متزامن مع التوجه نحو الله بالخط الصاعد المتمثل بالدعاء، وإذا ضعف أحدهما ضعف الآخر بالتزامن، والعكس بالعكس.
عنوان حلقتنا هو " جعلا له شركاء " وهو مستوحى من آية قرآنية في سورة الأعراف، في هذه الآيات يضرب الله مثالًا في أبوين دعوا الله بإخلاص في وقت الحاجة، ثم أشركوا معه غيره في الدعاء في وقت الرخاء. ليس في أي موضوع ولا أي قضية ولكن في قضية محددة وهي إنجاب الولد الصالح، نتعرف على أبعاد هذا المثال.
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴾ الأعراف (189)-(192)

اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم - 7 - إن ربكم الله
لقد تحدثت سورة الأعراف منذ البداية عن مفهوم اتباع كلام الله، وهذا المفهوم يُعد حلقة أساس مرتبطة بسلسلة من المفاهيم الأخرى والتي تحدثت عنها سورة الأعراف المباركة تباعًا، لقد تحدثت الآيات المباركة بعد ذلك المفهوم، عن خداع الشيطان في الحؤول دون وصول العبد للتنزيل، ثم عن مآلات الخروج عنه، أما في هذه الحلقة فننتقل للحديث عن الربوبية حسب ترتيب آيات السورة المباركة من بدايتها، ونريد أن نفهم الرابط بين الحديث عن الربوبية وعن مفهوم التمسك بالتنزيل! إذ يبدو وللوهلة الأولى وكأن الآيات بدأت تتحدث عن موضوع مختلف لا ربط له بسابقه، فما الذي جاء بموضوع الربوبية في خضم الحديث عن التمسك بالنص؟ هل هو ابتعاد عن أصل الموضوع؟ أم أنه مفهوم مرتبط بسابقه؟
هذه الحلقة وهي بعنوان " إن ربكم الله " وهي عبارة مأخذوذة من الآية (54) من سورة الأعراف، تحاول أن تجيب عن هذا السؤال بكشف العلاقة والرابط بينهما، ولكن قبل البدء في دراسة الآيات المباركة نحتاج إلى مقدمة حول الربوبية
﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ الأعراف (172)-(174)
﴿ إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ الأعراف (55)-(56)
﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ الأعراف (205)-(206)
﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ الأعراف (205)-(206)

تحديد أوقات اليوم من القرآن الكريم - 1 - الفجر
تسجيل صوتي لدرس قرآني حول موعد بداية الفجر وعلاقته بالليل ، وتحديد طبيعة الظلام من القرآن الكريم.

بل ملة إبراهيم حنيفًا
دراسة في آخر مقطع من الجزء الأول من آية (135) من سورة البقرة وحتى الآية (141)

الدخول في السلم - 3- أمة واحدة
الدخول في السلم - 3- ادخلوا في السلم كافة

الدخول في السلم - 2- الخصومة والبغي
الدخول في السلم - 2- الخصومة والبغي

الصلاة في القرآن - 1 - المقدمة
الصلاة في القرآن - 1 - المقدمة

القرآن والتسبيح
القرآن والتسبيح

تأملات في سورة الصافات من آية 149 إلى آية 157
تأملات مختصرة في الآيات من سورة الصافاتمن آية 149 إلى آية 157
بعنوان أحقية القرآن في التشريع
✨ ما هو نسب قريش؟ وما علاقتهم بملةإبراهيم ؟
✨ ماهي عقيدة قريش فيالملائكة ؟
✨ كيفيكون التذكر ؟ وما هو السلطان ؟
✨ كيف ناقشت الآيات قريش في عقيدتهم الباطلة فيالملائكة في الجانب العقلي؟
✨ وكيف ناقشتهم في الجانب النقلي ؟
✨ الحرية والنص الأصلي ، أسس العودة للحقيقة.

تأملات في سورة القلم من آية 35 إلى آية 47
تأملات مختصرة في الآيات من سورة القلممن آية 35 إلى آية 46
بعنوان أحقية القرآن في التشريع ( التساؤلات الخمسة في سورة القلم)
✨ ما علاقة الإسلام بالآيات، وما علاقةالإجرام بالآيات؟
✨ ما هو الإسلام ؟ قصة ملكة سبأ مثال.
✨ ماهي التساؤلات الخمسة في سورة القلم؟
✨ما علاقة الملك بالشركاء؟
✨ ما معنى التوحيد في ظل الكتاب السماوي؟

تأملات في سورة الأنعام من آية 154 إلى آية 158
تأملات مختصرة في الآيات من سورة الأنعاممن آية 154 إلى آية 158
بعنوان أحقية القرآن في التشريع
✨ فرعي الملة في أبناء نبي اللهإبراهيم (ع)
✨ ما هو تسلسل هذه الآيات؟
✨ لماذاذكرت الوصايا العشر بعد ذكر الانحرافات في الأحكام؟
✨ ما موضع القرآن الكريم بالنسبة للملة؟
✨ ما معنى دراسة الكتاب ؟ هل يمكن دراسته؟
✨ هل يكفي الانتساب إلى كتاب سماوي ؟

تأملات في سورة الأنعام من آية 111 إلى آية 125
تأملات مختصرة في الآيات من سورة الأنعاممن آية 111 إلى الآية 125 :
✨ كيفيتحرك الشياطين مع الرسالة؟
✨ ماهو زخرف القول الذي يغري به الشيطان أتباعه ؟
✨ مامعنى لا مبدل لكلماته؟
✨ ماعلاقة الشرك بالطاعة؟
✨ ماتأثير المعاندين للقرآن الكريم؟

تأملات في الآيات من سورة الفاتحة إلى آية 20 من سورة البقرة
أهميةالتدبر الفردي
تأملاتمختصرة في الآيات من سورة الفاتحة وحتى الآية 20 من سورة البقرة:
كيفيريد الله سبحانه وتعالى أن نتعامل مع القرآن الكريم؟
يمكنناأن نقرأ القرآن ختمه كاملة بحثًا للإجابة على هذا السؤال.
فيالمقطع ثلاث وقفات
✨ ما معنى أن يقول المؤمن في صلاته (اهْدِنَاالصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)) الفاتحة؟
✨ (ذَلِكَالْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)) سورة البقرة ؟
✨ (أُوْلَئِكَالَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَاكَانُوا مُهْتَدِينَ (16)) سورة البقرة؟

تأملات في سورة الزخرف من آية 19 إلى 25
تأملات مختصرة في الآيات من سورة الزخرفمن آية 19 إلى الآية 25 :
✨ ما معنى الشهادة ؟ ما معنى العلم ؟ ما معنى الهدى؟
✨ من أين يؤخذ الهدى ؟
✨ منأين يؤخذ العلم ؟
✨ مامعنى الشهادة ؟ وما علاقتها بالعلم؟
✨ ماأهمية الحرية في اختيار الأهدى ؟
مدة المقطع : 13 دقيقة.

تأملات في سورة البقرة من آية 130 إلى آية 136
تأملاتمختصرة في الآيات من سورة البقرة من آية 130 إلى الآية 134 :
✨ ماهو مفهومالإسلام ؟ وماعلاقته بأفعال الأنبياء والنص الرباني؟
✨ هل الإسلام هو تطبيق نص أم تطابق معصورة؟
✨ ما الذييشكل الانحراف عن النص الرباني؟ وماعلاقة ذلك بالصورة المنقولة؟
✨ ما وصية نبي الله إبراهيم إلى بنيه؟ وماعلاقتهابالإسلام؟
✨ لماذايذكر الأسباط نبي الله إسماعيل؟
مدةالمقطع : 16 دقيقة.

تأملات في سورة البقرة من آية 124 إلى آية 129
تأملاتمختصرة في الآيات من سورة البقرة من آية 124 إلى الآية 129 :
✨مراحلإمامة نبي الله إبراهيم (ع).
✨ ماهي عناصر الملة؟
✨ ماهو بلاء إمامة نبي الله ابراهيم؟
✨ لماذا نتخذ مقام إبراهيم مصلى؟
✨ ما علاقة العهد بالإمامة؟
مدةالمقطع : 18 دقيقة.

تأملات في سورة البقرة من آية 111 إلى آية 117
تأملاتمختصرة في الآيات من سورة البقرة من آية 111 إلى الآية 117 :
✨ مامعنىالميزن في القرآن الكريم؟ مثال حقيقة نبي الله عيسى (ع).
✨ ماهو سياق الآيات ؟ ما علاقة قدر الله بقدر البشر ؟
✨ كيف تتبدل العقائد التي ينزلها الله في كتبه السماوية؟
✨ قدر الكتاب السماوي لدى الطوائف التي بدلتعقيدتها؟ وما نتائج تبديل القدر؟
مدةالمقطع : 16 دقيقة.

تأملات قرآنية في سورة البقرة من آية 100 إلى آية 104
تأملاتمختصرة في الآيات من سورة البقرة من آية 100 إلى الآية 104 :
✨ ما هو موضوع هذا المقطع من الآيات؟
✨ ما علاقة الشياطين بالإيمان بالكتب السماوية؟
✨ ما علاقة المراعاة ( لا تقولوا راعنا ) بالإسلام والإيمان بالكتاب السماوي؟
مدةالمقطع : 10 دقائق.

تأملات في سورة البقرة من آية 105 إلى آية 110
تأملات مختصرة في الآيات من سورةالبقرة من آية 105 إلى الآية 110 :
✨ ماعلاقة هذه الآيات بموضوعالنسخ؟
✨ الآيات تتحدث عن طائفتين،الأولى: أهل الكتاب، الثانية المشركين، فمن هم المشركين؟
✨ ما معنى النسخ ؟ وما معنى الإنساء؟ وما علاقة ذلك بأهل الكتاب؟
مدة المقطع : 10 دقائق.

اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم - 6 - سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض
التعامل مع النص المنزل هو واحد من مواضيع القرآن الكريم الحساسة، وقد بيّنت الآيات الكريمة أن لكتب الله المنزلة قوانين، وفي حال تعاملَ المنزلُ عليهم معه بالتغافل كان لذلك التعامل مآل وعقوبة، وفي المقابل إن تعاملوا معه بالإقبال كان لذلك مآل آخر، وعلى هذا الأساس تتحدث بعض الآيات فتقول ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنْ الْكِتَابِ ﴾ الأعراف (37) أي ينالهم ما نصّت عليه قوانين الكتاب نفسه جزاء للتعامل معه باستهزاء أو ماشابه ذلك، موضوع كهذا يحتم علينا أن نتعامل مع الكتاب بفهم وإحساس حتى نتساير مع متطلباته بالتطبيق العملي.
في هذه الحلقة وهي بعنوان " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض " نتحدث فيها أولًا عن واحدة من قوانين التعامل مع التوراة فيما نصت عليه وبينته لأتباعها، وعن مآلات التعامل معها بضعف، ثم ننتقل بعد ذلك إلى موعظة أصحاب السبت التي عرضته سورة الأعراف كمثال من أمثلة عدم تطبيق حكم من أحكام الله، كان ذلك الحكم بمثابة البلاء والاختبار لهم، وبقي مثلًا وموعظة لمن خلفهم، نتأمل في ذلك المثل وننظر كيف كانت عقوبة التهاون أمر يبدو للناظر بسيطًا يسهل التهاون فيه.
﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴾ الأعراف (145)
﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ الأعراف (146)
﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ الأعراف (147)
﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ الأعراف (163)
﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ الأعراف (164)
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ الأعراف (165)﴿ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ الأعراف (166)
﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ الأعراف (167)

اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم - 5 - ولقد جئناهم بكتاب
يعد الكتاب السماوي نقطة البدء في مشروع الإيمان على المستويين الفردي و الجماعي، وما لم يجعل المؤمن هذا الكتاب دليل لمعرفة الواقع، وسبيل للسير في درب الإيمان فستخطفه السبل إلى اتجاهات مختلفة.
لقد كان الحديث في الحلقة السابقة عن السقوط التتابعي للأمم، وكانت المشاهد التي بعثتها سورة الأعراف عن يوم القيامة تيقظ الضمير، وتحيي القلب بأن يضع المؤمن كامل ثقته في كتاب الله، وأن يجعله الحاكم في حياته.لقد أوضحت سورة الأعراف منهجين مختلفين، متباينين، الأول منهج يضع الثقة ونقطة البدء في الآباء، أما الثاني فيضعها في كتاب الله لأنه نقطة الإيمان الأولى، ولقد واصلت سورة الأعراف في أيضاح ذلك التباين بين هذين الفريقين، وعرض المشاهد الأخروية التي تبين مآلات كل فئة من تلك الفئات، بعد الحديث عن الأمم وتتابعها في السقوط في فتنة الشيطان.
عنوان هذه الحلقة هو " ولقد جئناهم بكتاب " هي عبارة قرآنية من عبارات الآية (52)، وهذه العبارة تنتقد حالة تلك الأمم التي انحازت لغير الكتاب رغم وجوده بين ظهرانيهم، وهو ينتقدهم لسقوطهم في فتنة الأمم المتتابعة، نحاول في هذه الدراسة أن نتعرف على حديث سورة الأعراف عن هتين الفئتين، استكمالًا من آخر آية وقفنا عندها من آية (41)، ومن ثم بمجموعة آيات في خاتمة السورة أكدت على نفس المعنى، ستكون الوقفات مع الآيات التي تبين ملامح الفئتين وعلاقتهما بالنص المنزل.
﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ ﴾ الأعراف (45)
﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ الأعراف (51)
﴿ وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ الأعراف (52)
﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ الأعراف(53)
﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ الأعراف (181)
﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ الأعراف (182)-(183)

اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم - 4 - كلما دخلت أمة لعنت أختها
مسؤولية كل جيل من أجيال الرسالات تجاه رسالتهم تكمن في إتقان الاستلام والتسليم، استلام الرسالة ممن سبقهم، وتسليمها لمن بعدهم، الآية (33) من سورة الأعراف أوجزت هذه القاعدة بعبارتين مهمتين، الأولى هي حرمة " أن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا" وهي ما تمثل حرمة استلام الدين من الجيل السابق بلا علم، أما العبارة الثانية فهي حرمة " أن تقولوا على الله ما لا تعلمون" وهي ما تمثل حرمة التسليم بلا علم أيضًا. ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنْ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ آل عمران (34)-(36) ﴿ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنْ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ الأعراف (38)﴿ وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ الأعراف (39)﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ﴾ الأعراف (40)﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ الأعراف (172)﴿ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ الأعراف (173) -(174)

اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم - 3 - أتقولون على الله ما لا تعلمون؟
تحدثنا في الحلقة السابقة عن فتنة الشيطان الرجيم في إبعاد بني البشر عن النص الرباني المنزل وإغوائهم عنه، وفي هذه الحلقة نكمل الحديث في هذا السياق، ومن خلال تتبع الآيات في سورة الأعراف.
للتنزيل المجيد أتباع وله أعداء، وهذه العداوة ممتدة من عداوة الشيطان للإنسان، ورغبته الجموح في أن لا يسلك هذا المخلوق طريق الكرامة والعلو، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأحد وسائل هذا العدو اللعين هي الخدعة باختراق الدين، بدس الباطل ونشر الأكاذيب، والقرآن يكشف مكائد الشيطان ليصون أتباعه من الانحراف عن النص المنزل، وحتى لا يفتتن بني آدم بأقوال الشيطان كما أخرج أبويهما من الجنة.
كانت الحلقة السابقة تحت عنوان " لا يفتننكم الشيطان " تتحدث عن أسلوب الشيطان للتوغل في عقول أتباع الرسالات من خلال الفتنة، أما هذه الحلقة فتتحدث عن تهاون أتباع الرسالات الخاطئ في التعاطي مع أكاذيب الشيطان تلك! ذلك التعاطي الذي يسمح بدخول أحكام منحرفة وعقائد باطلة دون رادع. عنوان هذه الحلقة هو السؤال الاستنكاري : " أتقولون على الله ما لا تعلمون؟ " والذي يستنكر أن يقول المؤمن في الدين مالا يعلم. العبارة مستوحاة من آية (28) من سورة الأعراف والتي درسناها في الحلقة السابقة. نكمل دراسة الآيات التالية لها انطلاقًا من هذا المعنى، ونحاول فهم دلالات هذه العبارة في صيانة الدين من الانحراف.
﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ الأعراف (33)
﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمْ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ الأعراف (168)
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ الأعراف (169)
﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾ الأعراف (170)
﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ الأعراف (171)

اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم - 2 - لا يفتننكم الشيطان
كان أصل الحديث عن الأمر الرباني الذي تحدثت به بداية سورة الأعراف " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم" وقد تحدثنا في الحلقة السابقة عن ولاية الله عز وجل للمؤمن، وفي هذه الحلقة تحدثنا عن فتنة الشيطان التي تمكنه من تولي بعض المؤمنين.لقد أعطى الله عز وجل إنموذجًا مصغرًا يوضح من خلاله أسلوب الشيطان وطريقته في إيقاع المؤمنين في الفتنة وذلك بذكر قصة أبينا آدم وزوجه، فقد كان الأمر الرباني له مقتصرًا على جملتين بسيطتين هما: لا تأكلا من هذه الشجرة، واحذرا من الشيطان، ولكن مع الوقت نسيا أمر الله، فتمكن الشيطان أن يقنعهما وبواسطة الحيلة والخديعة والقسم بالله أن يأكلا من الشجرة، وكذب عليها حين قال بأن الأكل منها يقود للخلود ويوصل لدرجة الملائكة المقربين، وسعيًا للوصول لهذه الغاية النبيلة التي يريدها آدم، وقع في مخالفة الأمر.

اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم - 1 - إن وليي الله
اتِّباع الوحي والذي يعني عمليًا تطبيق النص دون الإخلال بجزئية منه، قضية محورية في دعوى الرسل، فهذه الدعوة هي التطبيق العملي للإخلاص لله في العبودية وتوحيده، وهي الانعكاس الواقعي والحقيقي لدعوى الرسل بالتوجه لله، وهذه الدعوة مع بساطتها إلا أنها تواجه بكثير من الاعتراض وعدم القبول، وكأن الإنسان بذلك يعبر عن رفضه للانصياع التام لأوامر الله، الأمر الذي يعده القرآن استنكافًا عن العبودية التامة له، واتباع النص هو التعبير العملي لقولنا لا إله إلا الله.
الآيات تختصر مشكلة الإنسان مع الله في قضية تبديل النص، فهو يعترف باللسان بربوبية الله، ولكنه عمليًا يتعبد له بنص آخر، والمقياس على ما يعمله المؤمن لا على ما يدعيه، فما لم يطابق قوله فعله فلن يعد مخلصًا لله.
ندرس من سورة الأعراف وفي عدد من الحلقات المتتالية عددًا من الآيات المترابطة في الموضوع والتي تتحدث عن هذه المشكلة، ونحاول أن نربط بعض هذه الآيات ببعضها الآخر، عنوان حلقتنا الأولى من هذه السلسلة هو "إن وليي الله" ، نتتبع بعض الآيات في بدايات السورة، ثم ننتقل إلى آخر السورة لنقف عند آيات أخرى شارحة لها، ومؤكدة على المعنى.

حفظ القرآن الكريم - 7 - كيف حفظ القرآن ؟
القرآن حدث شهده الناس أثناء التنزيل، كتب بإملاء الرسول عن ملاك الوحي جبريل بواسطة شهداء الجيل الأول، ثم جمع بواسطتهم كونهم أمناء عليه وكونه وصية الله الباقية، ثم نشر إلى الأمصار دون أن يجد أحد فيه اختلاف بين حروفه من منطقة إلى أخرى. والحمد لله رب العالمين. ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ الحجر [9] ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ القيامة [16]-[19]﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ فصلت (41)-(42)

حفظ القرآن الكريم - 6 - شهداء الجيل الأول
تحدثنا في الحلقة السابقة عن شهداءالكتاب، بعد أن عرفنا الفارق بين الشاهد والشهيد، فالشهيد يحمل أمانة يجب أن يؤديها إذا طلبت منه، وقلنا بأن للكتاب السماوي شهداء، هم أولئك الذين يعلمون مافي الكتاب، ويجب عليهم تبعًا لذلك العلم أن يبلغوه حين يكون التبليغ واجبًا ، وإدلاؤهم بالعلم يعد شهادة. و وجدنا في الآيات التي درسناها في الحلقة السابقة عن شهداء الكتاب أنها تتحدث عن شهداء في جيل متأخر عن نزول التوراة، والبعض منهم أدى ما عليه من أمانة ولكن البعض الآخر خانها ولم يؤدها علىوجهها، فاستحق بذلك عقاب الله.
بعد هذا الفهم حول علاقة مسمى "الشهداء" بالكتاب السماوي ننتقل لفهم الموضوع من ناحية ما يخص رسالة القرآن الكريم، وعند دراسة الآيات نجد تخصيص هذا المسمى لفئة محددة من المؤمنين الذين عاصروا الرسالة، ونفهم كذلك أن لهذه الطبقة أهمية عن بقية الأجيال اللاحقة، فشهداء التوراة سموا كذلك على الرغم من أن بعضهم لم يؤدها، فمنهم من لم يتمسك به رغم ما يعلمون منه، لكننا وعلى عكس من ذلك سنجد أن الذين سمّوا بالشهداء من المؤمنين برسالة القرآن وفي الفترة التي وافقت تنزيله لم يأخذوا هذا المسمى إلا باستحقاق، فهم الطبقة التي مرت بمحن واختبارات في الإيمان، وأثبتوا ومن خلال ثباتهم أنهم متمسكون برسالتهم وبكتابهم المنزل، ولكي نميز هذه الطبقة عن غيرها سنسميهم شهداء الجيل الأول.
نستعرض في هذه الحلقة بعض الآيات التي تحدثت عن شهداء الجيل الأول، وندرس عملية اصطفاءهم من بين بقية المؤمنين الذين آمنوا بالرسول، بعد ثباتهم معه رغم الفتن، قبل ذلك نتحدث عن آخر آية في سورة الحج والتي تحدثت عن علاقة الرسول بهم وعلاقتهم بالرسالة، ثم ندرس أهميتهم في التبليغ وإيصال الرسالة الربانية للناس.

كيف حفظ القرآن - 5 - شهداء الكتاب
درسنا في الحلقة السابقة علاقة الشهادة بالعلم، فلا يشهد أحد في الدين إلا بعلم من الكتاب المنزل، ثم فرقنا بين الشاهد والشهيد، فوجدنا أن الشهيد هو حامل للأمانة، وليس مجرد شاهد عابر، وتأكد ضرورة حصول حامل الوصية على صفة العدالة لأنها أمانة، وقلنا بأن أمانة حمل الوصية الربانية أعلى وأكبر من أي وصية أخرى. و ختمنا الحديث عن علاقة الكتاب السماوي الذي هو مصدر العلم في الدين بوجود شهداء يحملون هذه الأمانة، ندرس في هذه الحلقة مصطلح " شهداء الكتاب " من خلال أربع آيات كريمة، لنؤكد على ارتباط هذا الكتاب بالشهادة والشهداء، ونثبت من خلال ذلك وصف من يحمل الكتاب كرسالة يؤديها إلى الناس بالشهيد.
﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ آل عمران [99]﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ الأنعام [150]
﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ﴾ المائدة [44]
﴿ وَمِنْ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمْ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ الأنعام [144]

كيف حفظ القرآن - 4 - الشاهد والشهيد
ندرس في هذه الحلقة ارتباط الشهادة بالعلم، ثم الفارق بين الشاهد والشهيد، ثم ندرس ارتباط الشهداء بالكتاب السماوي في حلقات لاحقة إن شاء الله.
﴿ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ﴾ يوسف [81] (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴾ الزخرف [19]-[21] ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ التوبة [17] ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ ﴾ البقرة [282] ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنْ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنْ الآثِمِينَ ﴾ المائدة [106]

كيف حفظ القرآن - 3 - الحدث المشهود
تحدثنا في الحلقة السابقة عن التعريف الاجتماعي للقرآن وقلنا بأنه وصية الله الباقية، أي الوصية التي أبقاها الله لبني البشر حتى يستقيموا على نهجه القويم، أما في هذه الحلقة فنتحدث عن تنزيل القرآن، وعن مستوى هذا الأمر في زمن الرسالة كحدث تاريخي، حيث اكتسب ذلك الحدث مكانة في ذلك الزمان استمرت ليومنا هذا، إذ لم يكن القرآن الكريم كتابًا عاديًا كبقية الكتب البشرية، لا من حيث كونه معجزة ربانية، أو كونه اشتمل على إخبارات لا يقدر بشر على الإتيان بها ولكن من حيث كيفية وصوله للناس وتأثرهم به وتفاعلهم معه. ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ﴾ الفرقان [32] ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ ﴾ محمد [20]-[21] ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴾ الأنفال [31] ﴿ وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ التوبة [3]

كيف حُفظ القرآن - 2 - وصية الله
نتحدث ومن خلال ثلاث آيات عن مسمى الكتب السماوية بالوصية، هذه الكلمة تعطي دلالة على أهمية النص، لذا فإن الموصِي يثبته، والموصَى يحفظه، وندرس ومن خلال ثلاث آيات عن مسمى الكتاب بـ "البقية"، ويمكن دمج هذين المسميين بفهم العلاقة بينهما، فالكتاب السماوي هو الوصية الباقية، أو بمعنى آخر هو الوصية التي يبقيها الله للناس و التي من خلالها نرجع إلى نهج الله القويم وصراطه المستقيم. وسنعتبر هذا التعبير هو المسمى الاجتماعي للقرآن الكريم. ومنه ننطلق إن شاء الله لمعرفة كيف حفظ القرآن الكريم في الحلقات القادمة إن شاء الله.
آيات ذكرت عبارة " وصية الله"
﴿ وَمِنْ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمْ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ الأنعام [144]
﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ الأنعام [151].
﴿ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الأنعام [152]-[153]
آيات ذكرت عبارة " بقية الله "
﴿ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ هود [85]-[87]
﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ البقرة [248]
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ الزخرف [26]-[28]

كيف حفظ القرآن؟ - 1 - قاعدة اللطف
مقدمة نتحدث في هذه الحلقة عن قاعدة اللطف الإلهي، فما الذي نقصده بهذه القاعدة؟ قاعدة اللطف تعني أن الله عز وجل غالب على أمره، ولا أحد من خلقه يستطيع أن يغير في مجرى الأحداث شيء فتتبدل تبعًا لذلك مشيئته وإرادته. سندرس هذا المعنى من خلال آيتين في قصة نبي الله يوسف (ع) وقصة نبي الله موسى (ع)، لنجعل من تلك القاعدة أساس في البحث عن موضوع حفظ القرآن الكريم، ونستعرض بعد ذلك ثلاث آيات هي الآيات التي وعد الله عز وجل فيها بجمع القرآن وحفظه.
الاستشهاد على قاعدة اللطف
﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ يوسف (100).
﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴾ القصص [10]-[13]
آيات الحفظ
﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ القيامة [16]-[19]﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ الحجر [9]
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ فصلت (41)-(42)
خاتمة
هل تم حفظ القرآن بواسطة الإعجاز بعيدًا عن سنن الحياة؟ أم أن اللطف الرباني تدخل في مجريات الأمور؟ أم بهما معًا؟ لاشك أن الله عز وجل قادر على أن يحفظ كتابه بالإعجاز فيمنع عنه الاعتداء فلا يتمكن أحد من أن يناله بالعبث! ولكن نعلم أنه سبحانه يُوصي نبيّه والمؤمنين باتباع سنن الحياة حتى في المواجهات والحروب، فيأمره – مثلًا - أن يحرّض المؤمنين على القتال، ويوصي المؤمنين بأن يعدو العدة، ثم بعد كل التجهيزات تكون العقيدة حاضرة في قلب المؤمن وهي: أن النصر من عند الله العزيز الحكيم، وقد رأينا في حفظ النبيين الكريمين يوسف وموسى عليهما السلام أنه كان بلطف وخفاء، فكانت مجريات الأمور كما هي أمام ناظر الناس، ولكن إرادة الله كانت هي الغالبة.

كيف حفظ القرآن - تمهيد
القرآن حدث شهده الناس أثناء التنزيل، كتب بإملاء الرسول بواسطة شهداء الجيل الأول، ثم جمع بواسطتهم كونهم أمناء عليه وكونه وصية الله الباقية، ثم نشر إلى الأمصار دون أن يكون فيه اختلاف بين رسم حروفه في تلك النسخ. ذلك ما يمكن أن نفهمه من خلال تدبر الآيات ودراستها.
وصلنا هذا الكتاب الرباني موحدًا في الحرف والشكل والرسم في جميع النسخ التي بين أيدينا اليوم، بغض النظر عن القراءات المختلفة، وإن وجد اختلاف طفيف بين بعضها البعض فإن ذلك الاختلاف لا يمس عقيدة ولا حكمًا من أحكام القرآن الكريم بالتغيير، وهذا ما يهمنا، لذا فإن تلك القراءات ليست محط اهتمام هذه الدراسة، ولها مختصون هم العارفون بها. ما تهدف إليه هذه الدراسة هو الإجابة على سؤال هو : كيف حفظ الله عز وجل رسم وحروف القرآن الكريم؟ وكيف حُفظ من التبديل! وهي محاولة للإجابة على هذا السؤال من القرآن فقط.

القرآن واهل الكتاب - 9 - الشهادة والنصرة
لقد وصف الله عز وجل حملة الكتب السماوية بأنهم شهداء، وهذا التعبير القرآني يعبر عن حملهم للتوراة، فمن كان يحمل التوراة أو الإنجيل ويعلم ما فيها، هو شاهد، فإذا طلبت منه الشهادة على حكم أو قضية من التوراة وأداها فهو شهيد، يشهد بما جاء في التوراة من أحكام وعقائد، ولأن القرآن الكريم مصدق لما بين يديه، وأهل الكتاب يعلمون بذلك، لذا كانت شهادتهم بهذا العلم أمام الناس هو نصرة للرسالة، وقد طلبت منهم النصرة فمنهم من آمن وشهد ونصر، ومنهم من كتم الحق وكفر وخذل نفسه بعدم النصرة.
﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ آل عمران [98]-[99]
﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنْ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنْ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ الأحقاف [8]-[10]
﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ الأنعام [149]-[150]
﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾ آل عمران [81]-[82]

القرآن وأهل الكتاب - 8 - مصدقًا لما بين يديه
استكمالًا لما درسناه في الحلقات السابقة، نكمل الحديث حول علاقة أهل الكتاب بالإسلام وعلاقة التوراة بالقرآن الكريم، في هذه الحلقة نتحدث عن العبارة القرآنية الكريمة " مصدقًا لما بين يديه " حيث نضع دلالة هذه العبارة في سياق كون أن العقيدة والشرع واحد لا يتغير بين الكتب السماوية. والعبارة القرآنية تتحدث عن نفسها، فهي تتحدث عن التصديق، وهذه العبارة تصف القرآن بأنه مصدق لما بين يديه وما بين يديه هو التوراة والإنجيل، وتصديقه شامل لا جزئي، فإن صدق في جانب ولم يصدق في جانب آخر كان ذلك إخلال في التصديق ونقص فيه، ولا يمكن نتيجة لذلك أن نسميه مصدقًا، نستعرض بعض الآيات التي أوردت هذه العبارة الكريمة والتي نفهم من خلالها شمول التصديق في العقائد والأحكام، نبدأ في آخر آية سورة يوسف (ع) والتي تبين أن قصة يوسف هي أحد دلائل التصديق، ثم ننتقل إلى آيات التحكيم في سورة المائدة والتي تبين أن التصديق يشمل الأحكام كذلك. ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يوسف [111] ﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ المائدة [46] ﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾ المائدة (47) ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ المائدة (48) ﴿ وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ المائدة [49]-[50]

القرآن وأهل الكتاب - 7 - الذين أوتوا العلم
إن إيمان طائفة من أهل الكتاب بالقرآن الكريم وانسجامهم معه دليل آخر على أن ماجاء في القرآن من أحكام وشرائع وعقائد لا تختلف عما جاءت في التوراة، ولقد سجل لنا القرآن الكريم مواقف لفرق منهم آمنت بالرسالة، وتنوع ذلك الإيمان بين الإيمان الاعتيادي الذي يحتاج إلى تفكير وتأمل إلى الإيمان المباشر واللحظي الذي يسبق كل تفكير وتأمل لما وجد في القرآن من حقيقة لايمكن دحضها أو إنكارها.
﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ آل عمران [199] ﴿ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاء مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ ﴾ العنكبوت [46]-[47] ﴿ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ القصص [51]-[54] ﴿ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ﴾ الإسراء [106]-[109]

القرآن وأهل الكتاب - 6 - إقامة التوراة والإنجيل
تحدثنا في الحلقة السابقة وتحت عنوان "أحكام مشتركة" عن حكمين وجدنا أن التوراة تتوافق فيهما مع القرآن الكريم، وهما حكم اتجاه القبلة، وأحكام النكاح، ثم بعد أن تحققنا من هذا التوافق، تساءلنا في خاتمة الحلقة: هل يمكن أن يكون هذا التوافق جزئي، بمعنى أن القرآن الكريم تطابق مع الكتب السماوية في بعض الأحكام، لكنه ألغى وبدل البعض الآخر؟! قبل أن نصل لإجابة محكمة على هذا السؤال الهام، نريد أن نؤكد على أهمية حكم اتجاه القبلة في الدين والذي يعني وجود نصوص مشتركة وواحدة فقط، والذي يصب في اتجاه أنه لا تبديل لأحكام الله فيها عبر الأزمان، فاتجاه القبلة يعطي دلالة في الشكل والمضمون لكون أن الدين واحد في كل تفاصيله، وهذا في حد ذاته إجابة على نفس السؤال، لكننا لن نكتفي بهذه الإجابة، وسنضيف أدلة قرآنية أخرى أكثر بيانًا. لإحكام الإجابة عن هذا السؤال نتحدث في هذه الحلقة - إن شاء الله - عن الأمر الرباني إلى أهل الكتاب بإقامة التوراة والإنجيل، نثبته من عدة آيات في سورة المائدة والجن وآل عمران، ثم نتساءل عن دلالات هذا الأمر في سياق ما نتحدث عنه. ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ﴾ المائدة [44] ﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾ المائدة [47] ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ المائدة [68] ﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ﴾ الجن [16]–[17] ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ آل عمران [113]-[115] ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴾ المائدة [15]

القرآن وأهل الكتاب - 5 - أحكام مشتركة
فهمنا من خلال الجدال الدائر بين الرسالتين وجود مقياس واحد يتم الرجوع له والاحتكام إليه، وقد فهمنا من خلال ذلك الجدال بعض الأحكام المتطابقة، في هذه الحلقة نكمل المسير ونشير إلى حكمين من الأحكام التي أكد القرآن أنها موجودة أصلًا لدى أهل الكتاب وأنهم يعرفونها حق المعرفة، الأول هو حكم أساسي في الملة وهو اتجاه القبلة المتمثل في المسجد الحرام الذي تم التطرق له في الحلقة السابقة بصورة مقتضبة حين استعرضنا آيات من سورة آل عمران، والثاني في أحكام النكاح.
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ البقرة [145]-[146]
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ البقرة [146]
﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ النساء [25]-[26]